الانترنت والسمارتفون والتعليم… أزمة ومسؤولية/ د. علي عماش

بقلم: الدكتور علي عماش (أبو مالك)

لا تكاد تلتقي بطالب (صبي أو فتاة) في طريقهم من وإلى المدرسة وفي أوقات فراغهم وواجباتهم إلا ولدى كل واحد منهم جهازه المحمول الخاص به المتصل مع شبكة الانترنت (سواء التلفون الذكي أو التابلت أو الكمبيوتر وغيره). والأدهى من ذلك أن هذه الظاهرة منتشرة لدى الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الخمس سنوات ونشعر أحيانا بالعجز عن ايقافها ونقنع أنفسنا بحجة أن الطفل يتعلم ويتطور ويتعرف. وهكذا أصبح هذا الواقع جزءا أصيلا من الحياة العامة في جميع أنحاء العالم المسمى “حضاري ومتقدم”. وهناك من يعتقد أن انتشار التلفونات الذكية والانترنت المحمول هو أمر مفيد لأداء الواجبات المدرسية ويساهم بشكل إيجابي وسريع في التطور المعرفي والمعلوماتي لدى  الطلاب والأطفال. ولكن هل هذه هي الحقيقة؟ ألا تشكل أجهزة المحمول أزمة عامة تحتاج منا إلى مراجعة كاملة؟ على من تقع المسؤولية؟

طرحت الكاتبة سوزان بينكر سؤالا محوريا حول القناعات التربوية المتعلقة بالاعتماد على الانترنت والتقنية الحديثة في العملية التعليمية وانطلقت من نتائج دراسات أظهرت أن مستويات الطلاب في أمريكا تراجعت بشكل كبير بعد مشروع “جهاز محمول (انترنت) لكل طالب” الذي تم هناك برعاية الوزارات الحكومية. وقررت الكاتبة في نهاية المقال أن الاستثمار في المعلم والإنفاق السخي على تكوينه يخدم العملية التعليمية ويرقى بمستوى وعي ومعرفة الطلاب أكثر من تركهم فريسة لعالم الانترنت. وتبين أن الأضعف مستوى من بين جميع الطلاب كانوا من أبناء الأسر الكادحة والذين يعيشون في ظروف اقتصادية سيئة، فما إن وصلتهم أجهزة الكومبيوتر والانترنت حتى انحدرت مستويات القراءة والرياضيات لديهم بشكل رهيب وهكذا تتوسع فجوة الانقسام الطبقي في المجتمع.  ويخمن أن السبب لهذا الوضع الأليم أنه بدون رقابة الكبار نجد  الكثير من الأطفال لا يستخدمون أجهزتهم في أعمال مدرسية وتعليمية، وإنما لتشغيل الألعاب الالكترونية والتواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك وانستغرام وواتسأب) وتحميل مواد ترفيهية.

وتبين في الابحاث أن الأطفال من الأولياء ذوي الدخل المحدود يقضون 50% من أوقاتهم أمام الشاشات ولا يحصلون على قدر كافي من المداعبة والرعاية العاطفية الأسرية. ولذلك فهم أكثر عرضة من غيرهم ليكونوا غير متزامنين مع السلوك والالتزام المطلوب وهكذا بدلا من أن يساهم الجهاز المحمول والانترنت في رفع مستواهم التعليمي، نرى أن النتيجة عكسية وكارثية ما دامت الرقابة والمتابعة من قبل الأهالي ضعيفة والمسؤولية التربوية غائبة.

لذلك يصعب على المرء أن يعتبر إضافة المزيد من المشاهدات والنقر الالكتروني فكرة جيدة وخصوصا للأطفال وتلاميذ المرحلة الابتدائية، إلا إذا استعملت التقنية  لتدريس طلاب يواجهون صعوبات في التعلم وبالطبع عندما توفر كأداة في يد معلم رائع تلقى تدريبا عاليا وإرشادا ممتازا يؤهله لاستعمال تقنيات الحاسوب والانترنت في كل ما هو مفيد ودافع لنجاح وتقدم الطلاب في تعليمهم المدرسي وسلوكهم في الحياة.  والله الموفق.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق