التعليم العربي بين القدس وأم الفحم | سامي العلي

مقالات وآراء
37
0

في القدس؛ باشرت وزارة المعارف الإسرائيلية، مؤخرًا، بإعداد قائمة بأسماء رياض الأطفال، التي لا تعلق علم إسرائيل وصورة رئيسها، في إطار ما وصفته الوزارة بـ “زاوية القومية”. وتأتي بلورة هذه القائمة بهدف توجيه تعليمات بإعداد زاوية كهذه والتشجيع على عدم الاكتفاء بعرض العلم وصورة الرئيس.

في أم الفحم؛ وزع  أفراد من الشرطة الإسرائيلية، في عدد من مدارس المدينة، كراسات تحمل رسومات ومضامين تُشجع الطلبة على التجند في الخدمة المدنية من خلال الالتحاق في المؤسسة الشرطية. وتأتي هذه الخطوة ضمن ما يسمى “نشاط الشرطة الجماهيرية” الذي يغزو المدارس العربية بالداخل.

وبين هاتين المدينتين المركزيتين تتفنن إسرائيل في أساليب أسرلة المناهج التعليمية، بهدف محو الهوية الوطنية الفلسطينية وتشويه الذاكرة الجماعية من خلال سكب مضامين ورموز، للنظم التعليمية، تخدم دولة اليهود، وتحرم الطالب العربي من مادة دراسية تربوية وطنية واجتماعية ومعرفية متوازنة تتلاءم مع الواقع الذي يعيشه وتحاكي هويته وروايته.

إن أسرلة المناهج التعليمية من أهم المعوقات أمام إنشاء جيل مثقف وواعِ ٍ ومن أهم المخاطر التي تهدد التعليم في القدس وأم الفحم وسائر المدارس في البلدات العربية، لأن إفراغ النظم التعليمية من إطار وطني جامع يخلق فئات وشرائح متضاربة الانتماء والوعي، مما يؤدي الى توسيع الفجوات والتناقض، وتَشيعُ روح الاغتراب المجتمعي بهدف عزل الطالب العربي عن حيزه الفلسطيني وعن محيطه العربي والإسلامي.

وتحاول إسرائيل منذ النكبة عام 1948 السيطرة على فكر ووعي الشباب في الداخل الفلسطيني من خلال مناهج التعليم، إذ تعتبر عنصرًا أساسًا في صقل هوية الطالب العربي. ويعتبر قطاع التعليم التحدي الأصعب للمقدسيين، خصوصا وأن هناك محاولات منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، للسيطرة على الشباب ومحو ذاكرته وطمس هويته، ولكن فتح مدارس الأوقاف وإعادة المنهاج الأردني، صد الاحتلال الفكري وساهم في حماية الموروث الاجتماعي والثقافي والوطني.

النظم التعليمية كعائق

ليس بالأسرلة وحدها يفقد الطالب العربي هويته الوطنية، بل أيضا في تشتت النظم التعليمية، والتي تشكل خطرا، ليس فقط على الهوية الوطنية، ولكن على الموروث الاجتماعي والثقافي والذاكرة الجمعية، حيث يخلق تشتت النظم فجوات مجتمعية وتعليمية لها إسقاطات وانعكاسات على نوعية ومستوى التحصيل العلمي والمعرفي والمناعة الوطنية.

في أم الفحم/ الداخل الفلسطيني يعاني واقع التعليم العربي تشتتا بالنظم والمناهج، حيث تنقسم المدارس لثلاثة أنواع: المدارس الرسمية بإشراف وتوجيه وزارة المعارف الإسرائيلية، المدارس الأهلية، والمدارس الخاصة التجارية التابعة لشبكات إسرائيلية. ولا يتوقف التشتت عند هذا الحد بل يتجلي أكثر في التعليم العربي الرسمي الذي يطبق عدة مناهج تعليمية وهي: التعليم العربي العام، التعليم البدوي والتعليم الدرزي والتعليم المسيحي.

ولا يختلف النظام التعليمي في القدس كثيرا، فهو أيضًا يعاني تشتتا بسبب تطبيق عدة أنظمة تعليمية ذات مرجعيات متنوعة، إذ تنقسم المدارس لثلاثة أنواع: مدارس الأوقاف الإسلامية، المدارس الخاصة الأهلية والمدارس الرسمية التابعة لبلدية القدس، والتي تأخذ التبعية شكلا معقدًا من ناحية الولاية والمضامين وغيرها.

هذا الواقع ينعكس سلبا على شبابنا وطلبتنا، فهو خطر حقيقي على المجتمع المقدسي والمجتمع العربي بالداخل الفلسطيني، ويؤثر على المسيرة التربوية التعليمية وجهاز التدريس العربي الذي يعاني مشكلات عديدة ونواقص جمة، ويفتقر لإستراتيجية تعليمية واضحة المعالم والغايات، ناهيك عن تعدد أصحاب الولاية على العملية التربوية الذي زاد من تعقيد الوضع والأمور.

كتب الفلاسفة وأهل التربية والعلم والفكر الكثير حول مساهمة النظام التعليمي في صقل هوية الطالب الوطنية والقومية والاجتماعية والثقافية، ودوره في وإنتاج فرد فاعل وسليم، حيث يقول العلامة والفيلسوف، ابن خلدون، في باب التربية والتعليم في “المقدمة”:  “وعلى قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته”. ويقول الفيلسوف أفلاطون في كتابه “الجمهورية”: لا سبيل إلى خلق المواطن الصالح إلا من خلال نظام تربوي تعليمي متميز”.

إن المطلوب لتدارك تدهور الوضع التعليمي والواقع الثقافي لدى الطلبة والشباب العرب، توحيد المناهج التعليمية والمرجعيات التربوية ضمن نظام وطني ثقافي جامع، وتوحيد الجهود الرسمية والأهلية والشعبية لمواجهة التحديات المتجددة التي نشهدها يوميا في مدارسنا العربية، وخصوصا سياسات الأسرلة وتفتيت التعليم العربي وتعدد نظم التعليم الإشرافية وإقحام التجنيد العسكري والشرطي لعقول أطفالنا. المطلوب هو النضال من أجل حماية عناصر الهوية الفلسطينية الجامعة وعلى رأسها الموروث الثقافي والاجتماعي والتاريخي.

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق