المُهجر أبو جميل يروي عن مذبحة الطنطورة

عين حوض الصامدة
357
0
image image

ابو جميل يروي عن نكبة الطنطورة في كتاب الترانسفير المقنع للكاتب سمير ابو الهيجاء
يذكر ان ابا جميل تعرض لمحاولة دهس في الطنطورة اثناء مرافقته لمصور تلفزيوني

إما أن تذهب معي أو لا يبقى أحد من أهل القرية
ذَبح الرجال بدم بارد قرب الحائط لم يكن المشهد المأساوي الوحيد الذي تحمله ذاكرة الحاج )أبو جميل(، فمن الوقائع التي لا ينساها ما حدث قبل نقله مع أقرانه إلى الفريديس. يقول: «كنا نجلس في المجمع في انتظار نقلنا، وإذا بضابط وجنديين
يقتربون منا، ويسألون عن المختار، فقيل لهم إنه مات قبل ثلاثة أشهر، ونائبه مسافر في الشام. فجاء الضابط إلى الشيخ وقال له: «أنت بصفتك رجل دين عليك أن تساعدنا، فهناك في أحد البيوت اعتصم مقاتل اسمه )أبو طلال( وهو جريح، وقد
قتل كثيرا من الجنود، أريد أن تذهب بصحبتي ومعنا إحدى النساء، حتى يراك ويعلم أن القرية استسلمت، فيلقي بسلاحه ». فرد الشيخ قائلا: «يا حضرة الضابط، هذه الأيام لا يسمعني أحد، وكل إنسان يتصرف حسب مزاجه ». فقال الضابط: «أمامك أحد
الخيارين: إما أن تذهب معي؛ ويكون خيرا لك ولنا، وإما أن آمر الجنود فلا ي بُقون في القرية صغيرا ولا كبيرا.
صبر جميل والله المستعان؛ تمتم الشيخ وقام معه حرصا على الأطفال، فقد أشفق الشيخ على أهل القرية، وقد كان الضابط يقصد ما يقول. وصلوا إلى البيت المذكور، وهناك استسلم )أبو طلال( احتراما للشيخ، فعاتبه الضابط : «لم فعلت هذا؟ ». فرد
)أبو طلال(: «أنا لم أذهب لقتالك، أنت جئت لقتالي ولولا الشيخ لما دخلتم هذا البيت الا بعد موتي .»
ويضيف الحاج ان الضابط قال: «مثل هذا الرجل الشجاع يجب أن يبقى حيا، سأذهب
وأحضر سيارة إسعاف .»

خرج الضابط ليحضر سيارة إسعاف، لكن الجنود الذين بقوا مع الجريح لم ينتظروا الضابط، بل أخذوا الجريح وذهبوا به إلى حيث لم يعلم أحد مصيره، حتى جاءني رجل يهودي، بعد سنوات من احتلال القرية، وطلب مني العمل عنده في حقل البطيخ، على أراضي الطنطورة. فبينما كنا نعمل؛ سألني: «من أي القرى أنت؟ ». قلت له: «من أم الزينات ». فقال لي: «سأروي لك قصة حصلت معنا عند احتلال هذه القرية )يعني الطنطورة( ». وإذ به يروي لي قصة )أبو طلال(. وعندها فقط عرفت تفاصيل ما حدث بعد أن جروه جريحاً من ذلك البيت، ومكان دفنه. وحسب ما رواه لي ذلك الضابط فقد نكل الجنود بأبي طلال، حيث اقتلعوا أسنانه وأظافره، ثم قتلوه، ودفنوه في حفرة .» بكيت كثيراً، يقول الحاج مصطفى، وعندما رآني اليهودي أبكي؛ سألني: «ما الأمر؟ .»
قلت له: «ألا تعلم أن الرجل الذي تتحدث عنه هو ابن عم والدي؟ وأني كنت شاهدا على ما تقوله؟ فبهت الرجل! ونهض إلى رأسي ي قُب لّها ويقول: «متأسف، سببت لك الإزعاج .!!!» كيف يُمسح التاريخ؟ عدة عوامل تجتمع في محاولات مسح التاريخ. فبعض الأحداث اندثرت بعد تصفية المشاركين فيها، ومنها ما لا يحفظ في «أرشيف »، وهكذا حدث مع القرى المهج رّة،
فهناك قرى د مُرت وم حُيت عن وجه الأرض، وأخرى سرقت حتى حجارتها وطمست معالمها… والتاريخ يشهد.
يقول الحاج )أبو جميل(: «ثلاث مرات ذهبت إلى الطنطورة بعد النكبة، وفي كل مرة رأيت أعمالاً ي قُصد منها محو تاريخ ومعالم القرية. في إحدى المرات طُلب مني أن أعمل في نقل الحجارة بسيارة شحن مع شخصين وسائق السيارة. وكان في نيتي أن أبحث عن أموالنا التي خبأناها في البيت، لكني لمأجد شيئا، فالبيت كان مقلوبا رأسا على عقب. بعدها مررت بالمسجد فوجدته مدمراً قد ح وُل إلى إسطبل للبقر، وما زالت المصاحف ملقاة ويعلوها روث البقر!! لم أجد أكثر من البكاء لأفرج عن كربي في تلك الساعة. عدت إلى السيارة، وإذ برفاقي يهدمون بيتا بجوار مقام )ولي الله المجيرمي(. قلت لهم: «هذا المكان لولي من أولياء الله، وربما لن تتحرك السيارة! ». فسخروا مني وقالوا لي: «خرافات قديمة ». وما هي إلا لحظات حتى انكسرت الآلة الحديدية التي كانت في حوزتهم، فارتعبوا لأنها صعبة الانكسار! وهب السائق مسرعا إلى السيارة وحاول تحريكها من المكان، لكنها لم تتحرك، وعندها فقط أيقنوا أن ألأمر خطير، وأرادوا العودة سالمين، فأنزلوا الحجارة من السيارة فتحركت
وكأن شيئا لم يكن!

من المعروف أن أحدا لم يكتب أو يدو نّ الفظائع التي حصلت في تلك الأيام.. قال الحاج مصطفى، ثم أضاف: «صحيح أنني كنت صغيرا، لكني شاهد عيان على كثير من الحوادث التي حصلت، وأعرف منفذيها .» وهنا؛ صمت الحاج مصطفى ولم ينبس ببنت شفه، ولم يتحرك من مكانه! حتى راودني شك بأن الرجل يخفي أمرا ما، أو ربما يخشى التحدث به. استحلفته أن يحدث بما يجول في مخيلته حتى أدو نَّه، ويدخل التاريخ، وأن لا يساعد على إخفاء معالم الجرائم. وبعد تنهيده عميقة قال الحاج: «كنت شاهدا على جرائم حصلت، وبما أنني عرفت منفذي هذه الجرائم أراد بعضهم أو خطط لتصفيتي، مثلما يحصل في الأفلام ». )تجدر الإشارة إلى أن «أبو جميل » حرص أشد الحرص على أن لا يذكر أسماء، مع أننا على يقين بأنه
يعرف ويتذكر الأسماء(.قال «أبو جميل « :» حكيت لرجل قصة اليهودي الذي حكى لي عن «أبو طلال » في إحدى
الليالي، وفي اليوم التالي؛ وجدت الرجل يعرض علي عملا عند مستوطني ) زخرون يعقوب(. وكنت في حاجة إلى العمل فوافقت، وفعلا ذهبنا إلى المكان، فاستدرجني إلى حديقة البيت، ومن ثم إلى نقطة معينة في الحديقة، وإذ بي أرى بئرا عميقة فيها
سلم خشبي، «دخل الشيطان في عبي »، يقول الحاج، فسألته: «من صاحب العمل؟ .»
قال: «لا أدري » . فقلت: «كيف تحضرني لأعمل عند رجل لا تعرفه؟ ». وبينما كنت في جدال مع المتعاون؛ نظرت إلى أقصى الطريق، وإذ بي أرى نفس الرجل الذي عملت عنده في حقل البطيخ، وحكى لي عن «أبو طلال ». عندها تأكدت بأني لو بقيت لحظة هناك لكانت نهايتي، فهربت ركضا حتى وصلت إلى قرية الفريديس.. وبعدها بفترة من الزمن؛ جاءني أحد الرعاة وقال لي: «يا عم؛ لا تبتعد عن القرية، فقد عرضوا علي اليوم ثمنك ) 1000 ليرة( كي اقوم باستدراجك إلى الغابة.
«ايه يا ابني؛ طلع ابن حلال هذا الشاب، فهيك بصير في الأفلام: المجرمون يريدون أن يتخلصوا من الشاهد، وبذلك يكونون قد نجحوا بمسح التاريخ، وكأن شيئا لم يكن.

 

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق