عبد الرحمن دكناش شاهد على مجزرة الطنطورة | سمير أبو الهيجاء

روايتنا
743
0

كتب: سمير أبو الهيجاء 

“أمروه بحفر قبره بيده… جمع الصهاينة الكثير من الرجال في الساحة، ثم أداروا وجوههم إلى الحائط، ورشّوهم”..

كان يجلس على كرسيه، وبيده عكازته التي يتوكأ عليها، وينفث الدخان، عندما بدأ يحدثني عن الطنطورة، وكأنه يخبئ شيئا في صدره.

الحاج عبد الرحمن دكناش (أبو فهمي)، من سكان الطنطورة، والذي هجر مع الكثيرين من أهل بلدته إلى قرية الفريديس، كان أحد الذين دافعوا عن الطنطورة بكل ما امتلكوه من وسائل، حتى سقطت في أيدي العصابات الصهيونية.

«كان ذلك ليلة تسريحي من الجندية بعد خدمة عسكرية دامت ثماني سنوات، هوجمت القرية ليلا من جميع الجهات: برا وبحرا، وكان معنا من الذخائر القليل القليل، وفي تلك الليلة جاءنا مندوب من قبل الملك عبد الله وقال: لا تستسلموا، سيأتيكم المدد ولو على الجمال!! لكن هذا كان هراء وليس حقيقة! لأنّ المنطقة كلها كانت تعج بالعساكر. عندها أطلقت ثلاث رصاصات؛ مستنجدا بالمقاومين في عين غزال، فجاءني الجواب باللاسلكي أن الطريق مليئة بالدبابات، ولا يمكن أن يصل المدد، فأيقنّا بوقوع الكارثة، وفعلا؛ سقطت القرية، وجمع الصهاينة الكثير من الرجال في الساحة، ثم أداروا وجوههم إلى الحائط، ورشّوهم جميعا بالذخيرة الحية، رأيت ذلك بأم عيني، وأعطاني الضابط قلما ودفترا وحمالتين، وطلب مني تسجيل أسماء القتلى، فكانوا 95 رجلا وامرأتين.

هذا ما سجلناه، لكني لم أسجل أسماء بعض القتلى، كي لا ينكلوا بأفراد عائلاتهم، وكان من بين الذين لم أسجلهم عمي وابنه.

كنا عدة شباب، بيننا صديق لي أذكر أسمه (مرشد)، كان يعمل عند اليهود في الكيبوتس، وكان يتكلم العبرية، فسمعناهم يقولون في التقرير الذي رفعه قائد الكتيبة – وكان اسمه «شمشون»- إلى مسؤوليه: «إننا احتللنا منطقة استراتيجية، وقد قتلنا نحو 250 شخصا. وهذا ما ترجمه صديقي مرشد، وبعد ذلك طلبوا منا أن نحفر قبرًا كبيرًا، وعدة قبور صغيرة، فقال لنا مرشد: إنهم يقولون بأنهم سيقتلوننا جميعا، وأن هذه التي نحفرها بأيدينا هي قبورنا! وفي هذه الأثناء؛ جاء يهودي كان يعمل عنده مرشد، فعرفه، وقال له: لا تخف، سأذهب إلى الضابط وأرجع إليكم، ثم ذهب وعاد بورقه إفراج، لكنهم نقلونا إلى المعتقلات، وبقيت ثمانية عشر شهرًا أتنقل بين السجون، حتى تم الافراج عني نهائيا».

وسام شرف

«لي في الطنطورة ذكريات أليمة، ولا أستطيع الذهابإليها اليوم، لأني أتألم عندما أنظر إليها، ففيها فقدت أغلى أقربائي، وفيها حفرت قبري بيدي، وفيها هُدمت داري، تصور أني لم أذهب إلى الطنطورة طيلة الخمسين سنة الماضية إلا مرتين أو ثلاثا، وقد اكتفيت بالنظر إلى الطنطورة من بيتي – من الفريديس- فأنا لا أتنازل عن بلدي بهذه الصورة، ففيها قضيت أياما قاسية، وفيها منحت وسام الشرف من أبي درة.

كان ذلك عندما وشى بي قائد الفصيل بأني أذهب إلى معسكر الإنجليز وأعود، وكانت هذه الوشاية على مرأى من الناس، فعقد أبو درة محكمة ميدانية، وأحضروني إليه فسألني: « يا عبد الرحمن؛ هل ذهبت إلى المعسكر؟» كان جوابي: «نعم، إني أذهب إلى المعسكر لأحضر «الحصمة» لتصليح الطريق من الطنطورة إلى زمرين». فسألني: «من يعبئ الحصمة؟» قلت له: «المساجين». فسألني: «أتعطيهم سجائر؟». قلت: «نعم». ثم أحالني إلى نائبه الذي أكمل التحقيق معي، وعلى مرأى من الناس اعترف الواشي أنه ارتكب خطا، ولأسباب شخصية كانت تلك الوشاية، فما كان من أبي درة إلا أن منحني وسام شرف، وقال لي: «أنت حر، اذهب إلى أي مكان تريد».

أبو فهمي لا يساوم على ارضه

كانت لي أرض واسعة في الطنطورة، وهي بمحاذاة أرض الفريديس. بعد أن خرجت من السجن بعثوا إلي بأنهم سيدفعون لي 200 ليرة مقابل كل دونم، لكني رفضت أن أوقِّع على أي شبر من الارض، لأني أؤمن بما قاله لي أحد المسؤولين، وكان عراقيا: «اسمع أبو فهمي؛ تريد نصيحة مجانا؟ فنحن في العراق كنا ندفع فلوسا على النصيحة». فقلت: «هات انصح». فقال: «لا تبدل ولا تبع أرضك، سيعود الملك إلى أصحابه ذات مرة، (إذا مش إنت، ابنك أو أحد ذريتك). وهذا هو الأمل. أما أن أبيع أو أبادل.. فلا وألف لا، ولتبق هكذا حتى يأتي الفرج، أو يرث الله الأرض ومن عليها».

 

**الشهادة نقلا عن كتاب “الترانسفير المقنّع” للكاتب الصحافي سمير أو الهيجاء، الذي صدر مؤخرًا. وهي حلقة من سلسة حلقات من الشهادات والحقائق التي يعكف موقع “جسرنا” على نشرها بالتعاون مع الكاتب، على شرف ذكرى مجزرة الطنطورة.

 

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق