عن الدولة الواحدة…/ رامي منصور

مقالات وآراء
456
1

يبدو الحديث عن حلول سياسية في الصراع مع إسرائيل، وبالتوقيت والظرف الراهنين، على شكل حل الدولتين أو الدولة الواحدة، وكأنه ليس ذا صلة بالواقع، خصوصا النقاشات ‘حامية الوطيس’ بين المسيسين وكأن الحل على بعد عتبة. لكن ذلك لا يمنع تأمل إمكانيات الحل ليس لتقديمها للشعبين لاختيار ما ينسبها، ولا يقلل من أهمية هذه الأسئلة، فهي ضرورية لرسم المستقبل ليس بهدف تسجيل المواقف الأكثر أخلاقية ومبدئية، وإنما من أجل الحاضر، أو النضال في الحاضر وليس النضال في المستقبل.

وتجمع معظم القوى السياسية الفلسطينية والإسرائيلية، أو تكاد، على أن الحديث عن حل الدولتين بات في الرمق الأخير قبل موته، ليس بسبب عدم تحقيقه العدالة ولو النسبية للطرف الأضعف، وإنما بفعل إسرائيل ومشاريعها الاستيطانية التي جعلت منه شبه مستحيل. في المقابل، باتت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أقرب إلى حل الدولتين بعد أن تبيّن لها بعد حروب عديدة عدم توفر ظروف موضوعية لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر وكذلك بهدف وضع مشروع سياسي فلسطيني جامع في إطار المصالحة، وصرح عدد من قادتها، بينهم رئيس المكتب السياسي خالد مشعل، أن الحركة على استعداد لدراسة حل مؤقت على أساس حدود حزيران 1967.

لا يأتي التغير في موقف حماس كنتيحة لتنازلها عن ثوابتها أو رغبتها في التحرر، وإنما هو عمليا إقرار بالواقع بضرورة توفير حل سياسي يستند إلى الحد الأدنى من الواقعية السياسية دون التفريط بالرؤية الشاملة وهي تحرير فلسطين بالكامل.

ومثال حماس هو مدخل هام إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار عند أي تفكير بتصور سياسي للمساحة الممتدة ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط لعامل الواقعية دون التسليم بمعطيات الأرض الواقع، وذلك لضرورة أن يكون التصوير عمليا، فإذا كانت أنبل الأفكار غير قابلة للإنجاز على أرض الواقع فإنها ستبقى أفكارا ولا يهم مدى نبلها.

العامل الثاني هو ضرورة تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني من خلال مواجهة الخطيئة الكبرى في العام 1948 وما لحقها في العام 1967، بدلا من تجاوز الخطيئة مثلما فعلت الحركة الصهيونية بقرارها قبل نحو مئة عام تجاوز العداء للسامية واليهود بدلا من مواجهته، معتقدة أن الاستيطان في فلسطين سيحررها من العداء الأوروبي وسيجلعها بمأمن منه.

وتجاوز خطيئة 48 يعني أولا تسليما بالواقع، واقع الاستيطان (مثلا الاستعداد بقبول مساواة مواطنة المستوطنين بالفلسطينيين)، وهو عمليا هروب للأمام بعد الإقرار بالواقع والخضوع له، لأنه ينطلق من أن الاستيطان لا يمكن هزيمته، العودة لا يمكن تحقيقها، لذا على الفلسطيني الهروب إلى الأمام من خلال تغليف هذه الهزيمة للواقع بمصطلحات مثل العدالة وحق العودة وإلى ذلك من قيم وحقوق نبيلة وشرعية. وهو ينطلق من أرضية فيها أفضلية للمستعمر على الواقع تحت الاستعمار. أي أن هذا الطرح يعني بأن الحل الأمثل هو الدولة الكبرى، لأن إسرائيل حاليا هي الدولة الوحيدة ما بين النهر والبحر، وما يعنيه هذا الحل هو توسيع حدود إسرائيل مقابل منح الحقوق المتساوية للفلسطينيين كمواطنين وكأصحاب الأرض، وفي ذلك ظلم للفلسطيني.

العامل الثالث، وهو الأهم بتقديري، هو عامل الشراكة في الحل، لأن حل الدولة الواحدة، سواء كانت دولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية واحدة، يطرح فلسطينيا على أنه جزء من مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، لكنه يتجاهل أن هذا الحل يفرض الشراكة مع اليهودي الإسرائيلي وتقاسم الوطن، وهنا يطرح السؤال لماذا على الإسرائيلي قبول هذا الحل طالما هو مشروع مناهض له وهو الطرف الأقوى على الأرض. لذا فسؤال الشراكة في التصور أساسي، ولا يعني ذلك نفي أن الحل جزء من مشروع تحقيق العدالة لفلسطين، لأن جوهر مشروع التحرر الوطني الفلسطيني هو تحقيق العدالة، وتحرير الأرض هو جزء من تحقيق العدالة وليس كلها.

العامل الرابع، هو وسائل وأدوات الوصول إلى الحل، فحتى اليوم لم يشهد التاريخ الحديث أن شعبا تنازل عن امتيازاته وقبل بالمساواة مع الشعب المضطهد بشكل طوعي، بأن قرر أنه ابتداء من مطلع العام المقبل ستحل المساواة في بين كل المواطنين، وأكبر مثال على ذلك هو المثال الجنوب الأفريقي إذ لم يقبل البيض بأي حل وسط تاريخي إلا بعض توفر عوامل ضاغطة.

ومن العوامل الضاغطة، المقاطعة والعزلة الدولية، المقاومة بمختلف أشكالها، الخسائر الاقتصادية والتكلفة الباهظة لعدم تحقيق العدالة والمساواة بين جميع المواطنين. لكن في حالتنا، لا يجري الحديث عن عدم مساواة في المواطنة، بل عن استعمار يحتل ويهوّد كل بقعة يسيطر عليها ويحاصر كل بقعة من الأرض لم يحتلها بعد أو لا يريد احتلالها.

هذه تساؤلات وخواطر عن الحلول الممكنة ليس الهدف منها تحديد أو رسم شكل المستقبل وإنما رسم أو عيش الحاضر واستحضار الأدوات النضالية الناجعة، وأي إجابة متسرعة عليها هي بكل تأكيد غير ناضجة أو وافية.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق