أم محمد من عين حوض… قطعت القنابل أحلام الطفولة 

*كتب سمير أبو الهيجاء

كانت تعيش في قرية إجزم  في الجهة الغربية من سفوح الكرمل، ببراءة الأطفال دون أن تدري ما تخبئ لها الأقدار.

الحاجة ميسر أبو الهيجاء، لها من الأولاد اثنان وبنت واحدة، ومن الأحفاد 18 ومن أبناء  الأحفاد 14، وما زالت تحلم بالعودة إلى بيادر إجزم.

تقول أم محمد: «أذكر عندما كنت في إجزم أني كنت أذهب إلى المدرسة التي تألفت من غرفة واحدة، وكان عندنا ثلاث معلمات في مدرسة البنات، واحدة من بيسان واثنتان من طبريا، وتعلمت حتى الصف الرابع وبداية الصف الخامس، وأذكر أني ختمت القرآن في تلك الفترة، فأقيم احتفال كبير حضره الأهالي. في تلك الفترة كنت ألعب مع قريناتي على البيادر، ننعم بالهدوء والسعادة، وسط مناظر الطبيعة الخلابة، ما زلت أعيشها في ذاكرتي بعد أكثر من ستين سنة».

وتضيف أم محمد: «من الذكريات التي لا أنساها، والتي كانت تربطنا كبنات في تلك الفترة مع الوطن، جلب المياه إلى البيوت من عين الماء. لكن أمي (فتحية ماضي) رحمها الله، كانت تستأجر امرأة لتجلب لنا الماء مقابل النقود، وتمنعني من مشاركة رفيقاتي في الذهاب إلى العين. كنت أشاهد البنات وهن يحملن الجرار على رؤوسهن ويذهبن إلى العين زرافات، ويقضين وقتا ممتعا مع بعضهن، يسردن خلاله الروايات والقصص وربما بطولات بعض الصبايا، وذات يوم ذهبت إلى أمي وأصررت عليها أن تشتري لي عسلية (جرة ملونة كانت تُعد طرازا جديداً يومها) لأذهب مع البنات إلى عين الماء، وكان لي ذلك، فأحضرت جرة الماء على رأسي، لكن عندما وصلت إلى البيت شعرت بتعب شديد وألم في عنقي، لأني لم أتعود على حمل الجرار على رأسي، فرقدت في الفراش لعدة أيام ولم أذهب إلى المدرسة».

وتواصل أم محمد حكايتها مع بنات جيلها: «كان عمري 12 سنة أو ربما يزيد عن ذلك بعدة أشهر، عشت حياة الطفولة البريئة ولعبت على بيادر بلدي، وكنت أركض بين البساتين مع صديقتي منيفة، التي لا أعلم ما حلّ بها، وكنا نذهب إلى المقثاة (الأرض المزروعة بطيخاً أو خياراً أو فقوساً) ونقطف الثمار ونأكل ونحن نضحك ونلعب، ونرسم الأحلام. لكن أحلامنا لم تكتمل، ففي أحد الأيام جاءت تلك الطائرة التي حلقت فوق حارتنا وألقت حمولتها من القنابل، وأذكر أن عمي رشاد هرب إلى البستان وكان عنده في بيته ناس من قرية كفر لام فأصيبوا وقتل منهم خمسة، كما قتلت جدة وحفيدها وعدد آخر من الناس، وبلغ عدد القتلى في ذلك اليوم 11شهيداً، وأذكر أني ذهبت لأرى ما حدث، فأذهلني المنظر الرهيب للجثث الممزقة، والذي لا يفارق مخيلتي».

 «كانت تلك الأيام رهيبة، فعندما كانت تلقي الطائرة ما يسمى «القيزان» وهي قنابل على شكل جرة، كانت تهتز القرية برمّتها، وكانت ترعب الناس فيهربون إلى البساتين، وأذكر أن أمي خبأتنا تحت السرير. واليوم أتساءل ماذا كان سينفع السرير لو سقط على بيتنا «قيزان»، لكن هذا كان تفكير أمي، وهي ليست الوحيدة التي فكرت على هذا النحو، فالناس كانوا بسطاء لم يحسبوا لما جرى حساباً، كانوا يفكرون دائما بحياة بريئة مثل حياة الأطفال، ولم يتوقعوا أن مؤامرة ستحل بهم وأن اليهود سيدخلون ويحتلون القرية ويقطعون أحلام أطفال وأولاد وبنات في عمر الورد، وقد حسب الناس يومها أن اليهود هم المحتلون، لكن كان هناك انجليز وأمريكان بالطائرات، وربما كانت هناك دول أخرى مشاركة في المؤامرة. أنا كنت أعرف الطائرة من شكل قنبلتها التي تلقيها أهي بريطانية أم غير ذلك.

انتهى زمن اللعب واللهو

«وضعت قنابل الطائرات التي ألقيت على إجزم حداً لحياة اللهو الطفولي، بل أنهت حياتنا كأطفال، إذ كان علينا البدء بحياة جديدة لم نستعد لها، ولم تلائم أعمارنا»، تقول أم محمد، الفتاة ميسر ماضي، في حينه. وتتذكر: «خرجنا من تحت السرير لنهرب إلى البساتين وكانت الطائرات تتعقب الناس الهاربين فتقصفهم، فمات الكثيرون وتشرد الكثير، وأذكر أننا بتنا عدة ليال بين الأشجار وفي أحد الكهوف، ولا أنسى أن تلك الهجمات كانت في شهر رمضان، وكنا صائمين، وبعد قصف استمر عدة أيام، وعلى فترات، قررت أمي أن ننتقل إلى مقورة (وهي قرية من أعمال إجزم) ولكن مقورة، أيضاً، لم تسلم من قيازين الطائرات. وأذكر أن قيزانا سقط ليس بعيدا عن باب المغارة فأحرق شجرة لوز وحطم بئر الماء، وهناك بقينا لفترة معينة، وكنا نعود إلى البلد خلسة لنأخذ حاجياتنا أو ربما كان بعض الناس يعودون «ليسرقوا» حاجياتهم من بيوتهم كأنهم لصوص، وبقي الأمر على هذا المنوال حتى باتت العودة إلى بيوتنا مستحيلة، فقد سقطت إجزم بمفهوم الحرب».  

وتضيف أم محمد: «عندما سقطت إجزم وكل المنطقة قرر الناس اللجوء إلى دالية الكرمل فسرنا بين الأشواك حفاة، نحمل أمتعتنا على رؤوسنا وظهورنا.. وأذكر هذا المشهد الفظيع ولا أنساه، هذا يحمل متاعه على ظهره وذاك على كتفه وآخر يسوق حمارا وأخرى تحمل طفلها على صدرها، ومنهم من لا ينبس ببنت شفة لساعات طوال، وهو يفكر بما حل بالناس، ومنهم من يبكي بكاء مرًا وهو ينادي: «ولدي حبيبي.. ولدي حبيبي» أو أم تنادي: «يا ابني ظناي.. أين أولادي؟»، ومن الناس من كان يقول: «الله يجازي من كان السبب لكنها سبعة ونعود، معليش» !!

«كانت أختي سهيلة تحمل شقيقي محمد رحمه الله، وأنا كنت أحمل بعض الأمتعة غير الثقيلة، وأمي كذلك، فقد تركنا كل شيء في إجزم ولم نستطع حمل الكثير، وأذكر أن خالتي حاولت إقناع والدتي بأن نغادر إلى حي العرب، لكن امي رفضت مغادرة فلسطين، وبقينا في دالية الكرمل، نحمل اسم اللاجئين، ونواجه ما يترتب عن هذه التسمية من متاعب. في دالية الكرمل سكنا عند عائلة محترمة لفترة من الزمن، لكن بعدها أخرجونا من الغرفة، لننتقل إلى حي آخر، ومن ثم إلى حي ثالث، ورابع، وفي كل مرة كانوا يخرجوننا بسبب حاجتهم إلى الغرفة. وفي تلك الفترة عملت أمي بخياطة الثياب، ولم نحتجْ إلى مساعدات عينية، لكنا بقينا لاجئين، ربما بما يسمى اليوم، «تحت خط الفقر». واما والدي فلم يكن يعمل في تلك الفترة مثل الكثيرين من الرجال.

ابنة 17 لازم  تتزوج! 

كان عمري في دالية الكرمل يوم تقدم لخطبتي المرحوم عبد الرؤوف أبو الهيجاء 16 سنةً وعدة أشهر، وكالعادة في تلك الفترة لا رأي للبنت، فقد وافق والدي لأن العريس ابن عائلة أبو الهيجاء ولا يفوّت، والحاصل أني تزوجت صغيرة، لا أفهم معنى الزواج، بل كنت طفلة، وحتى اليوم يقشعر بدني حين أسمع عن أحد يزوج ابنته في سن صغيرة، وذلك بسبب تجربتي المريرة مع الزواج، خاصة وأني فقدت زوجي وكان عمري 21 سنة فقط، وكنت قد رزقت بولدين وبنت، أصغرهم 9 أشهر. كانت تلك الفترة أصعب فترة في حياتي، زوجة صغيرة تفقد زوجها، وللحقيقة، لم أعرف يومها ما معنى الموت، بل كنت أحسب أن زوجي ذهب إلى مكان ما وسيعود!

ثلاثة مواقف قاسية وأليمة

تنهدت الحاجة أم محمد والتزمت الصمت لدقائق معدودة، ثم عادت لتقول: «من يوم ما خلقت وأنا مغلبة».. لما تزوجت انتقلت لأعيش مع زوجي المرحوم في قرية غير معترف بها، لا شارع ولا كهرباء ولا ماء ولا أبسط مقومات الحياة، حتى بيت لم يكن عندنا، بل كانت براكية من صفيح، وكانت تحيط بالقرية غابات كثيفة جدا، وذات يوم في عام 1956 نشب حريق في الغابة، ووصلت النار إلى القرية وإلى بيتنا، فذهبت لأطمئن على ابني فوجدت النار قد وصلت فراشه، فصرت أصرخ «النار.. النار» فجاء الرجال وأخمدوا النار، وهذا كان الموقف الثاني الذي أرعبني في حياتي بعد النكبة، وأما الثالث فكان وفاة زوجي بمرض السرطان. ولأن الشيء بالشيء يذكر؛ فقبل سنوات عندما اندلع الحريق الهائل في الكرمل، واضطررنا إلى إخلاء بيوتنا، والذهاب إلى دالية الكرمل، عادت إلى مخيلتي صورة ذلك الحريق الذي كاد يلتهم ابني، فتذكرت النكبة والرحيل ودالية الكرمل عام 1948 والناس واللجوء، وشعرت كأن الأيام كلها نكبة وان اختلف الزمان والمكان، فهناك قاسم مشترك، فالرحيل الأول كان إلى دالية الكرمل والإخلاء الأخير كان إلى دالية الكرمل، والفارق أننا سكنّا يومها في بيت عائلة درزية، أما في الإخلاء الأخير فسكنّا في بيت حفيدتي التي تسكن في دالية الكرمل.

مسك الختام

بعد سرد لمحطات في حياة الحاجة أم محمد سألناها ماذا تريد امرأة بهذا العمر وماذا تتمنى، فأجابت: «أسأل الله تعالى أن يعينني على زيارة بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، وأسأل الله أن يحسن ختامي وكذلك أتمنى أن أعود وأنا عجوز حيثما كنت وأنا طفلة، إلى مسقط رأسي أجزم..».

عن كتاب ” الترانسفير المقنع”

d42243f9-256b-468d-b30e-456757ef6054 صورة قديمةعين حوض (3)

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق